جنيف – جمع مؤتمر «بيلدينغ بريدجز 2026» (Building Bridges)، الذي استضافته جنيف، مسؤولين حكوميين وقادة مؤسسات مالية ومستثمرين وشركات وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني، في إطار حوار يهدف إلى تعزيز التعاون بين القطاعين المالي والاقتصادي وصنّاع السياسات، وتسريع توجيه رؤوس الأموال نحو حلول تدعم الاستدامة والمرونة الاقتصادية والتنمية طويلة الأجل.
وعكست المناقشات التي شهدها المؤتمر تحوّلاً في طبيعة النقاش العالمي حول التمويل المستدام. فبعد سنوات من التركيز على تحديد الأهداف وإعلان الالتزامات، بات التحدي الأساسي يتمثّل في تحويل هذه الطموحات إلى مشاريع وفرص استثمارية قابلة للتمويل والتنفيذ والتوسّع، مع تحقيق نتائج ملموسة في الاقتصاد الحقيقي.
وتقوم فلسفة «بيلدينغ بريدجز» على جمع أطراف لا تلتقي بالضرورة في منصّة واحدة، وإيجاد مساحة محايدة تجمع بين وجهات نظر مختلفة حول أهداف مشتركة. وقد ازدادت أهمية هذا الدور في ظل تداخل التحديات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والمناخية، وما تفرضه من إعادة تقييم للمخاطر والفرص وأولويات تخصيص رأس المال.
ربط السياسات بالتمويل والخبرة
أظهرت النقاشات أن رأس المال، على أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق التحوّل الاقتصادي المنشود. فتطوير فرص استثمارية ناجحة يتطلب توافقاً بين السياسات العامة والابتكار والتمويل، إلى جانب توفير بيئة تنظيمية واضحة، وشراكات فعّالة، وهياكل مالية قادرة على توزيع المخاطر وجذب المستثمرين.
وفي هذا السياق، برزت أهمية النظر إلى إزالة الكربون وأمن الطاقة والتنافسية الاقتصادية بوصفها ملفات مترابطة، لا تحديات منفصلة. فالتغيرات التكنولوجية والتحولات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد تعيد تشكيل القطاعات الاقتصادية، وتفتح في الوقت نفسه مجالات جديدة للاستثمار طويل الأجل.
كما شددت المناقشات على أن المستثمرين لم يعودوا قادرين على الاكتفاء بمراقبة التحوّلات من الخارج، بل باتوا مطالبين بالمشاركة الفاعلة في توجيهها، من خلال الملكية النشطة والتواصل المستمر مع الشركات، ومساعدتها على التكيّف مع المتغيرات وتعزيز قدرتها على الصمود.
المرونة الاقتصادية والأمن الغذائي في صلب الأولويات
احتلّت المرونة الاقتصادية والتكيّف مع المخاطر المتزايدة مكانة بارزة في أعمال المؤتمر، في ظل تنامي التحديات التي تواجه الأمن الغذائي والبنية التحتية وإمدادات الطاقة وسلاسل التوريد.
وخلال الجلسة العامة رفيعة المستوى بعنوان «تأمين الأنظمة الحيوية تحت الضغط: ضمان استمرار تدفّق الغذاء في عصر تتزايد فيه المخاطر»، أكدت أكسيل بودوا أهمية الانتقال من التجارب المحدودة إلى اعتماد الحلول الناجحة على نطاق واسع، من خلال تطوير آليات التمويل والشراكات وأدوات تقاسم المخاطر.
من جهته، أشار هنري ديمبليبي إلى أن الأمن الغذائي والتكيّف المناخي وبناء القدرة على الصمود لم تعد قضايا استدامة فحسب، بل أصبحت أيضاً تحديات استثمارية تتطلب مشاركة رؤوس الأموال الخاصة، بالتوازي مع التمويل العام والتمويل التحفيزي الذي يساعد على إطلاق المشاريع التي قد لا تتمكن الأسواق وحدها من تمويلها في مراحلها الأولى.
وتشير هذه المقاربة إلى اتساع مفهوم المرونة ليشمل الاستقرار الاقتصادي وأمن سلاسل الإمداد والأداء الاستثماري طويل الأجل، وليس فقط مواجهة آثار التغيّر المناخي.
من الالتزامات إلى فرص استثمارية قابلة للتمويل
كان الانتقال من الطموحات إلى التنفيذ أحد أبرز المحاور التي تكررت خلال المؤتمر. فالتحدي لم يعد يتمثل في نقص المبادرات أو الحلول التقنية، بل في تحديد المشاريع القابلة للاستثمار، وتطوير الهياكل التي تسمح بتوسيع نطاقها وتحقيق أثر ملموس.
وفي هذا الإطار، دعا ما جون إلى التركيز على مجموعة محددة من التدخلات القابلة للتمويل والتوسّع خلال السنوات المقبلة، بدلاً من الاكتفاء بقوائم طويلة من الحلول المحتملة. وتختصر هذه المقاربة التحدي الذي يواجه التمويل المستدام: الانتقال من تعدّد المبادرات إلى بناء مجموعة واضحة من الفرص الاستثمارية القادرة على استقطاب رأس المال وتحقيق نتائج قابلة للقياس.
كما دعا هوبير دانسو إلى تجاوز التركيز على الصفقات الفردية، والعمل على بناء أسواق استثمارية متكاملة قادرة على جذب رؤوس الأموال على نطاق واسع. فالمطلوب، وفق هذه الرؤية، ليس فقط توجيه الاستثمارات نحو التنمية، بل أيضاً جعل التنمية نفسها قابلة للاستثمار، من خلال بناء الأسواق والهياكل والحوافز التي تسمح بتدفق رأس المال بصورة مستدامة.
وتشمل الأدوات المطروحة في هذا المجال التمويل المختلط الذي يجمع بين رؤوس الأموال العامة والخاصة، والهياكل التي توزّع المخاطر، إلى جانب تطوير الأسواق وتحسين السيولة وتعزيز ثقة المستثمرين.
التمويل المستدام يتوسّع إلى قطاعات وأسواق جديدة
امتدّت جلسات العمل إلى موضوعات متنوعة، شملت الزراعة المستدامة والتنوّع البيولوجي والتغذية والتكيّف المناخي والأسواق الناشئة والتحوّل في قطاع الطاقة والاستثمار في المحيطات والتنمية المحلية والمدن القادرة على الصمود.
وركزت هذه الجلسات على كيفية معالجة فجوات التمويل في الأسواق التي لا تستقطب حصة كافية من رأس المال العالمي، وعلى تطوير شراكات ونماذج استثمارية تتيح تحويل الحلول القائمة إلى مشاريع قابلة للتوسّع.
وفي الوقت نفسه، عرضت منصّة الحلول (Solutions Stage) نماذج لتقنيات وشركات وشراكات تحقق نتائج عملية في مجالات الصحة والطاقة والبنية التحتية والابتكار المناخي، بما يعكس تنامي مجموعة الفرص التي يمكن أن تجمع بين العائد الاقتصادي والأثر الإيجابي.
وشهد برنامج «BB Launchpad: ما الجديد في التمويل المستدام؟» الإعلان عن سبع مبادرات، شملت إطلاق دعوة الأفكار لعام 2027 ضمن «المختبر العالمي للابتكار»، والتقدّم في تطوير صندوق Allianz Credit Emerging (ACE) Markets Fund، ومنصّة Peace Finance Explorer، ومسلسل تلفزيوني جديد بعنوان «Rencontrons-Nous»، وتقرير حول التمويل التحفيزي الأزرق وهندسة التمويل اللازمة لتوسيع الاستثمار في المحيطات، إضافة إلى Green Accelerator.
وتعكس هذه المبادرات اتساع نطاق الأدوات والآليات التي يجري تطويرها لتوجيه رأس المال نحو فرص جديدة، مع التركيز على إنشاء بنية مالية قادرة على دعم الاستثمارات التي تتطلب فترات أطول لتحقيق عوائدها وأثرها الاقتصادي.
مشاركة أوسع ومساحة للتعاون
لم تقتصر أهمية المؤتمر على الجلسات والنقاشات، بل امتدت إلى بناء العلاقات بين المشاركين وتطوير فرص التعاون. فقد أتاح تطبيق «بيلدينغ بريدجز» ومنطقة اللقاءات المخصصة للمشاركين تحويل التعارف إلى اجتماعات ومناقشات تمهّد لشراكات محتملة.
وبحسب الأرقام المعلنة ضمن برنامج التواصل، انضم 1,244 مشاركاً إلى التطبيق، أنشأ 984 منهم ملفات شخصية وفعّلوا خيار التواصل، فيما جرى ترتيب 976 اجتماعاً.
كما أتاح مختبر «البيانات الدافئة» (Warm Data Lab) للمشاركين استكشاف أساليب مختلفة للحوار، تقوم على تعدّد وجهات النظر وفهم الترابط بين الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بعيداً عن الأطر التقليدية للمؤتمرات.
وتعكس هذه المبادرات جوهر المؤتمر: بناء جسور بين المستثمرين وصنّاع السياسات والشركات والخبراء، بما يتيح تبادل المعرفة وتحديد المصالح المشتركة وتطوير حلول عملية.
مسؤولية مشتركة ورؤية طويلة الأجل
في موازاة النقاشات حول الأدوات المالية والأسواق، برزت مسألة المسؤولية المشتركة بوصفها شرطاً أساسياً لتحقيق التحوّل. فالسياسات العامة تحدد الحوافز، ورأس المال يؤثر في اتجاه الأسواق، والشركات تقود الابتكار وتشكّل سلاسل الإمداد، فيما تؤثر خيارات المواطنين في أنماط الاستهلاك والادخار والاستثمار.
ولا يمكن لأي طرف بمفرده إنجاز هذا التحوّل. لذلك، يتطلب التقدم وضوحاً في الأهداف، وتوزيعاً للمسؤوليات، وثقة تسمح لمختلف الأطراف بالعمل معاً، بدلاً من إرجاء القرارات أو تحميل المسؤولية لطرف آخر.
وفي هذا السياق، قال جون كيري، وزير الخارجية الأميركي الأسبق والرئيس المشارك التنفيذي لمؤسسة Galvanize: «إن هذه الأمور جميعها في متناولنا إذا اتخذنا قرارات حكيمة، وفي بعض الحالات، إذا اتخذنا قرارات ببساطة».
من جهته، دعا فرانشيسكو ستاراتشي المشاركين إلى التركيز على فهم الاتجاهات التكنولوجية والاقتصادية التي تقود التحوّل، بدلاً من محاولة التحكم في مساره بالكامل، بما يساعد على توجيه رأس المال نحو البنية التحتية والحلول التي ستحتاج إليها اقتصادات المستقبل.
وتؤكد هذه المواقف أن بناء اقتصاد أكثر استدامة ومرونة لا يتحقق بقرارات قصيرة الأجل، بل يتطلب استمرارية في السياسات والاستثمارات والحوافز التي تكافئ خلق القيمة على المدى الطويل.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد المؤتمر
أظهرت أعمال «بيلدينغ بريدجز 2026» أن التمويل المستدام يدخل مرحلة أكثر نضجاً، مع مشاركة متزايدة من مالكي الأصول ومديري الاستثمارات وصنّاع السياسات والشركات ورواد الأعمال والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني. ولم يعد النقاش محصوراً في تحديد الأهداف البيئية والاجتماعية، بل بات يشمل كيفية تمويلها وقياس نتائجها وتوسيع نطاق تطبيقها.
ومع توافر عدد متزايد من التقنيات والأطر التنظيمية والأدوات المالية، يتمثل التحدي الأساسي في التنفيذ: تحويل الالتزامات إلى استثمارات، والحلول إلى نماذج أعمال قابلة للنمو، والتعاون إلى نتائج ملموسة في الاقتصاد الحقيقي.
وفي نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح هذه الجهود بعدد المبادرات التي أُعلن عنها أو الاتفاقات التي نوقشت، بل بالقرارات التي ستُتخذ بعد العودة إلى المؤسسات والشركات، وبكيفية تخصيص رؤوس الأموال وتصميم السياسات وبناء الأعمال.
ومن جنيف، تبرز رسالة المؤتمر بوضوح: الفرص والخبرات ورؤوس الأموال موجودة، لكن الاستفادة منها تتطلب مواءمة المصالح، وتحمّل المسؤولية، والانتقال من الطموح إلى التنفيذ، ضمن رؤية اقتصادية تستند إلى المدى الطويل.
تم الاستعانة بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي











