تبدو إيطاليا مقبلة على أزمة قاتمة عقب فشل الأحزاب الفائزة في الانتخابات الأخيرة في تشكيل الحكومة وظهور دعوات لإجراء استفتاء على خروجها من الاتحاد الأوروبى لتسير بذلك على خطى جارتها بريطانيا .
لاشك أن ما يدور الآن بالساحة الإيطالية وما قامت به لندن مسبقاً يشى بانهيار الاتحاد الأوروبي عما قريب , فى ظل الحقائق المتوافرة لاسيما على الصعيد الاقتصادى فاقتصاد الدول الأعضاء في الاتحاد يتباين فيما بينها، في الوقت الذي لا يوفّر فيه نظام الاتحاد الأوروبي ظروفا اقتصادية سانحة ومتساوية للجميع. فبينما كانت ألمانيا والدول المتقدمة صناعيا في غرب ووسط أوروبا هي المحرك الرئيسي لإنشاء الاتحاد الأوروبي، كونه يخدم مصالحها، بقت دول شرق وجنوب أوروبا تخسر وتزداد فقرا، ولا يحاول الاتحاد عمل أي شيء بهذا الصدد.
يبدو عدم التوازن كالتالي: بسبب أن ألمانيا هي الأكثر تطورا، والأكثر موثوقية، تتمكن الشركات هناك من الحصول على قروض بنسب فائدة منخفضة، وتدفع تأمينات أقل، كما تحظي على دعم ومساعدات هائلة من الحكومة، في الوقت الذي تكون فيه التكاليف الصناعية المماثلة في دولة كاليونان على سبيل المثال أكبر بكثير، ودعم الحكومة أقل بكثير، لتصبح أي صناعة في جنوب وشرق الاتحاد الأوروبي أقل ربحية وأقل تنافسية من مثيلاتها في الشمال. حقا إن الوضع كان هكذا قبل انضمام تلك الدول إلى الاتحاد الأوروبي، لكن ضعف العملة المحلية في تلك الدول كان يعوّض ذلك الفرق. بمعنى أن بيئة الأعمال في اليونان كانت أقل تنافسية، لكن ضعف الدراخما كان يؤدي إلى أن سـعر زجاجة الحليب في ألمانيا نظريا هو 1 يورو، بينما في اليونان 0.5 يورو نظرا لفرق العملة. أضف إلى ذلك أن السوق المحلية على الأقل كانت تحت سيطرة اليونانيين، يحمونها من خلال الضرائب على الاستيراد، أمّا عقب إنشاء الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو تحولت اليونان إلى العملة الموحّدة اليورو، فيما الظروف لم تكن موحدة، فالأعمال في اليونان أسوأ من نظيرتها في ألمانيا، ولم تعد أثينا قادرة على حماية صناعتها بفرض الضرائب، أو بخفض قيمة العملة، حتى تجعل بضاعتها أكثر تنافسية.
فكانت النتيجة انهيار الصناعات في اليونان وإيطاليا وبلغاريا ورومانيا وغيرها، بينما تنتعش الأعمال وتزدهر الصناعة في ألمانيا وهولندا وغيرهما، في الوقت الذي لا توجد فيه أي آليات لتعويض الجنوب والشرق عن عدم المساواة في ظروف سوق الأعمال، الأمر الذي يدفع المواطنين من جنوب وشرق أوروبا إلى الهجرة إلى الشمال، ما يخلق توترا هناك وتلك كانت أحد الأسباب التي دفعت بريطانيا إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي.
لقد انضمت اليونان وبلغاريا وغيرها من الدول ذات الاقتصاد الضعيف إلى الاتحاد الأوروبي على أمل أن تصبح حياتهم مثل حياة الألمان، لكن الواقع كان العكس تماما. ففي المراحل الأولى لنشأة الاتحاد الأوروبي كان تعويض الدول المنضمّة حديثا إلى الاتحاد عن عدم الاتزان من خلال القروض الضخمة التي منحتها البنوك الألمانية لتلك الدول، والدعم الذي قدّمه الاتحاد الأوروبي. كانت تلك القروض الضخمة هي ما خلق تحسنا في مستوى المعيشة، ورسم الصورة الرائعة في السنوات العشر الأولى من انضمام تلك الدول إلى الاتحاد الأوروبي، ثم حان وقت سداد الديون، ونذكر وقتها انهيار البورصات والحديث عن انهيار الاتحاد الأوروبي خلال الأزمة الممتدة لدول PIIGS (البرتغال، إيرلندا، إيطاليا، اليونان، إسبانيا) في العقد الأول من الألفية. لكن المشكلة تم حلها بالأموال وبالقوة جزئيا، مثلما حدث في اليونان المسكينة، التي قاموا بلي ذراعها وأرغموها على خفض النفقات.
ويأتي الاقتصاد الإيطالي في المرتبة الثامنة عالميا من حيث الحجم بناتج محلي إجمالي يدور حول تريليوني دولار، كما أنه الاقتصاد الثالث في الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا وفرنسا.لكنه اقتصاد يرزح أيضا تحت وطأة ديون عامة تقارب الثلاثة تريليونات دولار (2.7 تريليون دولار)، تصل نسبتها للناتج المحلي الإجمالي بالتالي إلى أكثر من 130 في المئة.
ومن شأن تنفيذ الوعود الانتخابية لحركة النجوم الخمس الشعبوية ورابطة الشمال المتشددة أن يزيد من عجز الميزانية بأعلى من الحد المسموح به من قبل البنك المركزي الأوروبي، وهو 3 في المئة.
إذ يمكن أن تصل كلفة خفض الضرائب وزيادة إعانات البطالة وخفض سن التقاعد إلى نحو 100 مليار يورو.وفي ظل الوضع الحالي للاقتصاد الإيطالي قد تؤدي فجوة العجز الهائلة تلك إلى عدم قدرة إيطاليا على الاستدانة لتمويله، ومن ثم تفقد سندات الخزانة قيمتها وتصل إيطاليا إلى وضع أشبه بأزمة اليونان المالية عام 2010.
لكن حجم الاقتصاد الإيطالي يصل إلى عشرة أضعاف الاقتصاد اليوناني، وبالتالي قد يكون من الصعب إن لم يكن من شبه المستحيل على الاتحاد الأوروبي إنقاذ إيطاليا.ويتشابه اقتصاد إيطاليا نسبيا مع اقتصاد اليونان، من حيث حجم الاقتصاد الموازي فيه ومشكلة عائدات الضرائب.
لكن اقتصاد إيطاليا يتسم بميزة خاصة ضمن الاقتصادات الرأسمالية التقليدية، هو أنه اقتصاد استند أساسا على “الأعمال العائلية”، ورغم النهضة الصناعية والتجارية في الشمال الإيطالي إلا أن أغلب الاقتصاد يظل “عائليا” في أساسه وإن تبنى المعايير الحديثة.
وتعد الكتلة الأساسية للاقتصاد الرسمي هي الكم الهائل من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وأغلبها في الشمال مثلما الحال مع تورينو وميلانو مثلا.كما أن الاقتصاد الموازي، الذي لا يدخل ضمن الأرقام الكلية الرسمية، قد يقترب حجمه من الاقتصاد الرسمي، وهو ما يشكل أزمة للسياسات الحكومية من ناحية فقدانها لعائدات ضرائب هائلة لا تدفعها عصابات المافيا ولا الأعمال المستندة إلى الأوقاف المسيحية وغيرها.
ورغم أن إيطاليا عضو مؤسس في الاتحاد الأوروبي منذ أكثر من نصف قرن، إلا أن الأزمة السياسية الحالية وصعود التيارات اليمينية المتشددة والشعبوية اليمينية واليسارية قد تدفع باتجاه مراجعة علاقة روما ببروكسيل (مقر الاتحاد الأوروبي).
وهناك من يرى في إيطاليا الآن أن ارتباط البلاد باليورو حد من قدرتها على “تسيير أمورها” في ظل الاختلالات الهيكلية الضخمة في الاقتصاد، ومن شأن العودة للعملة الوطنية (الليرة) أن يمكن روما من تجاوز أزمتها.
ورغم أن ذلك يبدو تفكيرا به قدر كبير من “الشطط”، إلا أن المزاج السائد الآن، والذي مكن الحركة والرابطة من الفوز في الانتخابات يتجه نحو لوم أوروبا (وتحديدا ألمانيا، القوة القائدة الآن في الاتحاد الأوروبي) واليورو، باعتبارها سببا للأزمة، وليس سياسات إيطاليا وطبيعة اقتصادها.
ولا يجد مسؤولو الاتحاد الأوروبي طريقة مناسبة حتى الآن للتعامل مع أزمة إيطاليا، ويبدو أنهم يتعاملون مثل الأسواق المالية بفلسفة “لننتظر ونرى”!يضيف ذلك لمخاوف العالم كله من تداعيات ما يجري في إيطاليا، فإذا كان الاقتصاد الإيطالي أكبر من أن يمكن إنقاذه فإن فكرة “أكبر من أن يترك لينهار تماما”، Too big to fail، باتت محل جدال بعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة قبل عشر سنوات.
على وقع الأزمة بلغ اليورو أدنى مستوى في 6 أشهر ونصف الشهر أمس، منخفضا لليوم الثالث على التوالي، في الوقت الذي تشهد فيه أسواق السندات الإيطالية عمليات بيع عشوائية قفزت بعوائدها 3 في المائة، جراء تنامي المخاوف السياسية هناك، مما يدفع بالمستثمرين للتخلي عن العملة الموحدة.
وفي أسواق الأسهم، تراجعت بورصة ميلانو بأكثر من 3 في المائة، فيما تخطى الفارق بين معدلات الفائدة على القروض الإيطالية والألمانية لعشر سنوات 300 نقطة، في مؤشر على القلق المتزايد حيال الأزمة السياسية في إيطاليا. كما سجلت بورصة مدريد أمس تراجعا بلغ أكثر من 3 في المائة في أعقاب تراجع بورصة ميلانو، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار في إسبانيا، متأثرة بتراجع سندات المصارف الإسبانية الرئيسية قبل أن تعود إلى التحسن.












أضف تعليق