تقارير رئيسي

لماذا يراقب مديرو الأموال وجهة استثمارات “السيادي السعودي” ؟

تكثف السعودية الجهود الرامية لإعادة تشكيل اقتصادها، وتقع على عاتق صندوق الاستثمارات العامة القسط الأكبر من قيادة مسيرة التحول.يثير التركيز المتزايد على المشاريع المحلية، مثل “نيوم” البالغة تكلفتها 1.5 تريليون دولار، قلق شركات إدارة أصول عالمية من إمكانية انخفاض حجم سيولة الصندوق المخصصة للإنفاق خارج المملكة.
يعتزم صندوق الاستثمارات العامة زيادة الإنفاق السنوي إلى نحو 70 مليار دولار، وتعبر ثلاث شركات استثمار بديل عن خشيتها من أن يولي الصندوق ضخ المزيد من السيولة نحو المشاريع الضخمة محلياً، ما قد يبعده عن الاستثمارات العالمية.
ويمثل هذا تحولاً ملحوظاً عن السنوات الماضية، حيث حرصت الصناديق السيادية في المنطقة على استثمار مليارات الدولارات مع بعض أكبر شركات الاستثمار في العالم.
كما يسعى المسؤولون في المملكة لجذب استثمارات أجنبية لتمويل جزء من مشاريع “رؤية 2030″، لكن هذه الاستثمارات لم تصل بعد إلى المستويات المستهدفة، مما يضع مزيداً من الالتزامات الاستثمارية على كاهل الصندوق.

يرى روبرت موغيلينكي، كبير الباحثين في “معهد دول الخليج العربية” في واشنطن، أنه “لفترة من الزمن، بدا أن الجميع يسعون للفوز بحصة من الفرص التي قدمها الصندوق. وقد نظر الكثيرون إلى الصندوق كمصدر تمويل غير محدود”. لكن “في الواقع، يعمل صندوق الاستثمارات العامة وفق ضوابط عديدة، وقد زادت التزاماته بشكل كبير نتيجة ارتفاع حجم الاستثمارات، واتساع نطاقها”.

إن الحاجة لزيادة الإنفاق بشكل كبير خلال فترة يُتوقع فيها حدوث عجز في موازنة الحكومة حتى عام 2026 على الأقل، خلقت شعوراً بضرورة إيجاد سبل جديدة لجمع التمويل. علماً بأن حجم الكتلة النقدية وما في حكمها لدى الصندوق بلغ 15 مليار دولار في سبتمبر.

صرح الصندوق علناً أن نسبة الأموال المخصصة للاستثمارات الدولية قد تنخفض بمقدار الثُلث، لكن مع زيادته لإجمالي الإنفاق السنوي، فمن المفترض أن يرتفع أيضاً المبلغ الفعلي المخصص للصفقات خارج المملكة.

من المتوقع أن يستمر الصندوق في القيام باستثمارات مباشرة على المستوى العالمي، وإحدى النتائج المحتملة لذلك أن يركز على الاستثمار في أكبر الشركات العالمية، وفق تصريحات رئيسين تنفيذيين في شركتين للملكية الخاصة. كما قد يعطي الصندوق الأولوية للكيانات ذات الحضور المحلي الكبير، نظراً لتركيز الحكومة على تطوير قطاع إدارة الأصول المحلي.

 

وفي حين أن عدداً قليلاً من الشركات المالية حتى الآن قد أسست مقرات إقليمية في الرياض، هناك دفعٌ لحث المزيد على اتخاذ خطوة مماثلة. في أواخر العام الماضي، حض رئيس إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الصندوق، يزيد الحميد، الشركات بعدم الاكتفاء في افتتاح “مكاتب استقبال لها، بل تفعيل نشاطها” في المملكة إذا أرادت مواصلة الحصول على الأموال من الصندوق.

 

تزايد دور الحميد وفريقه نتيجة تركيز الصندوق على الاستثمارات المحلية، وفق أشخاص مطلعين على الأمر. كما أن زيادة عدد الصفقات عبر فريقه، منحت عضو الإدارة التنفيذية مزيداً من النفوذ في واحد من أكبر الصناديق السيادية في العالم.

على سبيل المثال، كانت اثنتان من أكبر صفقات الصندوق في الأشهر الأخيرة موجهة إقليمياً ومنسقة من قبل وحدة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الصندوق. تعلقت الأولى بصفقة أبراج اتصالات، فيما كانت الثانية ضخ 5 مليارات دولار في شركة “بلاك روك” لتمويل الاستثمارات في دول الخليج.

قالت كارين يونغ، الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن “هناك تركيزاً على الاستثمار المحلي، وسيواصل الصندوق القيام بذلك، إلا أنه يحتاج إلى الاستثمارات الخارجية أيضاً لزيادة تمويل أنشطته”، و”لذلك، سيكون هناك توازن بين جمع التمويل في الداخل والاستثمار في الخارج لجني العوائد”.

يضطلع فريق الحميد بدور أكبر في أنشطة الصندوق خارج الشرق الأوسط أيضاً، وفق الأشخاص، فقد أخذ زمام المبادرة ومهد الطريق لعدد من الصفقات الدولية التي اعتبرت عنصراً مهماً في استراتيجية الصندوق لجلب الشركات والتقنيات الأجنبية إلى المملكة، لدعم استراتيجية تنويع الاقتصاد.

وفي مثال على رغبة المملكة في توزيع استثماراتها، قالت وحدة تابعة لصندوق الاستثمارات العامة يوم الأربعاء، إنها ستستثمر في سندات قابلة للتحويل تصدرها مجموعة “لينوفو”. وفي المقابل، ستفتح الشركة الصينية المنتجة لأجهزة الكمبيوتر منشأة للتصنيع ومقراً إقليمياً في السعودية.

وفي وقت سابق، قاد فريق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الصندوق عملية استحواذ شركة الألعاب المملوكة للصندوق على ناشرة ألعاب الفيديو الأميركية “سكوبلي” (Scopely) مقابل 4.9 مليارات دولار، وهو ما يعتبر خطوة رئيسية في انطلاق قطاع الألعاب المحلي. كما أن خطط الاستثمار في “دوري اتحاد لاعبي التنس المحترفين” (ATP Tour)، ضمن خطة التوسع في رياضة التنس للمحترفين، أعدتها وحدة الرياضة المملوكة للصندوق، وقادها فريق الحميد، وفق أشخاص مطلعين على الأمر.

عُيّن الحميد في 2015 مستشاراً لمحافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان، وأصبح نائب المحافظ للاستثمارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 2021. وتمت ترقية الحميد مع تركي النويصر، المسؤول عن الاستثمارات الدولية، والذي يشغل منصب نائب محافظ الصندوق أيضاً. يعد الحميد مقرباً من الرميان منذ سنوات، وسبق أن عملا معاً في الجهة المنظمة للأسواق السعودية.

 

في إشارة أخرى على تغيير المسار، خفض صندوق الاستثمارات العامة، الذي كان من المستثمرين النشطين في الأسهم الأميركية، حيازاته من هذه الأسهم من 35 مليار دولار إلى 18 ملياراً. ولم يعد الصندوق يمتلك أسهماً في “أمازون” و”مايكروسوفت” و”سيلز فورس”. وحلت عقود الشراء لعدد أقل من الأسهم محل الحيازات المباشرة، في خطوة تتيح له الحفاظ على بعض الانكشاف على الشركات، مع تقليل المخاطرة برأس المال.

يتواجد نحو 27% من أصول صندوق الاستثمارات العامة حالياً خارج المملكة، وفق مزودة البيانات “غلوبال إس دبليو إف” (Global SWF) للاستشارات البحثية. وقال مديرها دييغو لوبيز: “نتوقع استقراراً نسبياً في تلك الحصة” في ظل زيادة الصندوق الاستثمارات المحلية بوتيرة أسرع من نمو الصفقات الدولية.

سيواصل الصندوق عقد الصفقات خارج المملكة عبر فريق الاستثمارات الدولية، وفق أشخاص مطلعين على الأمر، رغم أن المتوقع أن تعتمد تلك الصفقات على الفرص المتاحة، أو أنها ستركز بشكل أكبر على القطاعات التي تساعد في دعم الاقتصاد المحلي.

 

على سبيل المثال، تحرص الحكومة على تطوير قطاع التعدين السعودي، وتتطلع إلى استخدام رأس المال على الصعيد الدولي في ذلك القطاع، وفق الأشخاص. كما تجري محادثات مع “أندريسين هورويتز” (Andreessen Horowitz) لإجراء استثمارات في الذكاء الاصطناعي، ورغم أن تلك المحادثات ما تزال في مرحلة مبكرة، فقد تشهد ضخ الصندوق 40 مليار دولار في تقنيات الذكاء الاصطناعي. لكن الإطار الزمني لذلك لم يتضح حتى الآن.

لكن لا بد من المفاضلة بين هذه التطلعات والالتزامات المحلية للصندوق والتي تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات وتشمل كل المجالات، من بناء قطاعات تصنيعية جديدة، إلى إنشاء مدن جديدة بالكامل.

ولفت موغيلينكي، من “معهد دول الخليج العربية”، إلى أن “أهمية البعد المحلي لدور صندوق الاستثمارات العامة تزايدت بشكل كبير خلال السنوات الماضية”. وقال: “يبدو أن العديد من الاستثمارات الدولية للصندوق ينظر إليها من منظور الأرباح المحلية. اهتمام المستثمرين العالميين بالصندوق لن يتلاشى قريباً، لكن الأرجح أن يصبح هناك انتقائية أكبر على الجوانب كافة”.

المصدر : بلومبرغ